نينـوى بريـس

logo

Ninawa Press

 

الصحفي غسان سالم .. وحديث حول اسباب انكفاء حراك السلام في البيئات المأزومة


ثقافة السلام في المجتمع العراقي تُعد واحدة من أعقد التحديات التي واجهت وتواجه بناء الدولة والمجتمع بعد عقود من الحروب والنزاعات الداخلية والخارجية ؛ فالعنف لم يكن مجرد أحداث عابرة ، بل تحول بفعل سياسات الأنظمة المتعاقبة إلى أداة أساسية لإدارة الدولة التي كانت تستند الى القوة في تسوية الخلافات الاجتماعية وتسيير امور الدولة ، مما تسبب في تآكل السلم الأهلي وغياب الوعي التنموي في العديد من مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية .   

وللاحاطة بالتداعيات الناجمة عن تراجع ثقافة السلام في المجتمع ؛ ارتأينا العودة الى اللقاء الموسع والشامل مع الناشط والصحفي "غسان سالم " المنشور عبر موقع نينوى بريس عام 2012 ، والذي يشرح فيه المعوقات الهيكلية بأبعادها الاجتماعية والسياسية التي حالت دون ترسيخ ثقافة السلام في تلك المرحلة ، ويمكن إيجاز هذا اللقاء في النقاط والمحاور التالية :

الجذور التاريخية وأثر الحكم الشمولي في عسكرة المجتمع

 -  لاشك ان الجذور التاريخية لغياب ثقافة السلام بمفهوها الاوسع ؛ يرجع الى عقود من الحكم الشمولي الذي رسخ مفهوم القوة كحل جاهز للمشاكل ؛ سواء على مستوى السلطة ضد الشعب أو على مستوى النزاعات العشائرية والاجتماعية ، فقد انتهجت الانظمة السابقة سياسات تتعارض مع مفهوم السلام ، وكان من أبرزها السعي نحو  "عسكرة المجتمع " اي تحويله إلى بيئة مسلحة من خلال الحروب المتتالية ... وقد ساهم ذلك في ترسيخ لغة السلاح والقوة كرمز للمكانة والقدرة على تحصيل الحقوق، مما أضعف ثقة الأفراد بالمسارات القانونية والمدنية ، كما ركزت تلك الأنظمة على المجهود الحربي وأهملت برامج التنمية والتعليم وبناء الوعي بأهمية الحوار والتعددية ، وهي قيم تدخل في صميم ثقافة السلام.

واقع منظمات المجتمع المدني بعد عام 2003 والتحديات البنيوية

 - بعد عام 2003 شهد العراق طفرة في تأسيس منظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق الإنسان وبناء السلام ، ومع أنها حققت بعض النجاحات في الإغاثة والتوعية ، إلا أنها لازالت تواجه عقبات بنيوية جعلت مهمة بناء السلام هي الأصعب ؛ من حيث ان متطلبات إحياء ثقافة السلام تحتاج إلى استراتيجية وطنية شاملة تشترك فيها الدولة مع منظمات المجتمع المدني لمعالجة الانقسامات الناجمة عن تداعيات الواقع السياسي والمؤسساتي القائم على المحاصصة والشحن الطائفي والقومي الذي اوجد بيئة امنية معقدة تسودها لغة السلاح بدلا من لغة الحوار ، مما جعل العمل الميداني لمنظمات السلام محفوفا بالمخاطر والتهديدات التي دفعت البعض منها الى حصر نشاطها في الورش التنظيرية والشعارات بدلاً من النزول الفعلي إلى الميدان .

المقاومة السياسية لنشر الوعي ونقص الخبرات التخصصية

- هذا بالاضافة الى معوقات اخرى تتعلق بموقف بعض القوى السياسية الناشئة التي ترى في نشر الوعي المجتمعي وثقافة السلم الأهلي تهديداً مباشراً لوجودها لأن نفوذها يتغذى بالأساس على بيئة الأزمات والاصطفاف الهوياتي ، فضلا عن ذلك تفتقر المنظمات العاملة في مجال نشر ثقافة السلام للمساندة التشريعية والتنفيذية الحقيقية ، الى جانب ضعف الخبرات التخصصية لدى بعض هذه المنظمات في فض النزاعات وبناء السلام الذي يتطلب مهارات متقدمة في التحليل النفسي والاجتماعي، والوساطة، والتفاوض ، وهي مهارات ما زالت بحاجة إلى تطوير بين الكوادر المحلية.

الربط بين مشاريع السلام والتنمية الاقتصادية

- عوامل تاخر نشر ثقافة السلام عديدة لايمكن الاحاطة بها في هذا اللقاء ، منها ايضا ضرورة ربط مشاريع بناء السلام بالتنمية الاقتصادية والذي يمثل حجر الزاوية في الدراسات الحديثة للنزاعات ، فغياب التركيز على هذه الجزئية المهمة يولد نزاعات غالبا ما تتغذى على الفقر والبطالة ؛ لذا ارى ان توفير فرص العمل للعاطلين يقلل من فرص انخراطهم في العنف .

- ولابد من الاشارة الى ان العراق عانى وعلى امتداد تاريخه الحديث من مظاهر النزاعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية المتكررة ، ويحدث ذلك على مستويات مختلفة من الحدة ، فكلما اتسعت دائرة المواجهة والتنافس حول مصالح محددة أو أهداف معينة كانت تداعيات النزاعات اكثر وطاة على المواطن .

تكامل الأدوار: المسؤولية السيادية للحكومة والمسؤولية المجتمعية للمنظمات

- لاشك أن منع النزاعات التي يتخللها العنف هي من مسؤولية الحكومات التي تمتلك جميع مقومات التصدي لكل محاولة مسلحة او فعل يهدد الامن الاجتماعي ، لكن مهمة نشر ثقافة السلام تقع ايضا على عاتق منظمات المجتمع المدني التي بدورها هي بحاجة ماسة للدعم المادي والمعنوي المحايد من اجل اكمال مهامها في تنفيذ البرامج التي تشجع على دعم السلام ونشر قيمه ومبادئه ، بدءً من دراسة واقع الاسرة وحياة النساء ومايتعرضن له من اضطهاد ، وتحليل الاشكال المتعددة للعنف الاجتماعي والنزاعات وصولا الى حقوق الانسان والحريات العامة والتنمية والتعليم .

التنوع المجتمعي ومعوقات إدماج المرأة ومفاهيم الجندر

- من المعروف ان تركيبة المجتمع العراقي متنوعة القوميات والأديان والمذاهب وتتخلها الأعراف العشائرية ، كما تتاثر كل فئة بمرجعياتها الثقافية لكنها من وجهة نظر الدستور العراقي تنصهر في هوية واحدة ، وحين تخاطب منظمات المجتمع المدني الافراد والجماعات وخصوصا المراة للانخراط في تنظيم الأسرة وبناء السلام والتنمية التربوية وغيرها من الاهتمامات الاجتماعية تتشكل عقبات كثيرة منها تعقيدات الوضع الامني وغياب الدور الاعلامي الحكومي ومفاهيم واعراف اجتماعية اخرى تتصادم مع عمل الجندر الذي هو ضروري لترسيخ قيم السلام في المجتمع ، حيث يكشف غياب دور المراة في دائرة هذا النشاط عن صعوبات جمة في طريق بناء السلام . 

- التنوع الغني الذي يتميز به العراق والذي ينصهر دستوريا في هوية واحدة ؛ ما زال محكوما بأعراف اجتماعية ومرجعيات ثقافية تقليدية تُقصي المرأة عن مراكز القرار وصناعة السلام ، حيث تصطدم مفاهيم "الجندر" بالأعراف التقليدية مما يضع المنظمات في مواجهة مع جدار من الرفض المجتمعي أو سوء الفهم عند طرح فكرة إشراك المرأة في الفضاء العام ، حيث تُفسر هذه الفكرة أحياناً خارج سياقها التنموي ، وهذا بدوره يعيق دمج النساء في التنمية التربوية وبناء السلام.

التحديات الأمنية والإعلامية التي تواجه الحراك النسوي الميداني

- من جانب اخر تفتقر الجهود النسوية الميدانية إلى آلة إعلامية رسمية تتبنى قضاياها ، وتعمل على تفكيك الصور النمطية حول المراة ، وتهيئة الرأي العام لقبول دورها كشريك قيادي في مفاوضات السلم المجتمعي وفض النزاعات وليس فقط كضحية لها ، لذلك ادى الخوف من الملاحقة أو الاستهداف الأمني والمجتمعي إلى انكفاء الكثير من الناشطات ، وهو ما قلل من مشاركتهن الميدانية في مضمار بناء السلام ، وبالتالي جعل قياس الأثر الفعلي لنشاط المرأة في هذا المضمار أمرا بالغ الصعوبة ، وقد اكدت الكثير من التجارب بان بناء السلام  في اي بيئة اجتماعية مضطربة يحتاج إلى إرادة اجتماعية جديدة تؤمن بأن السلام لا يكتمل دون مشاركة المراة.

صحافة السلام والحوار: نبذة عن التجربة المحلية لمحافظة نينوى

- من ناحية اخرى ، شهدت نينوى وبجهود المنظمات المدنية والشبابية ولادة مطبوعات دورية وجرائد ورقية ركزت بالكامل على قصص التعايش، وتفكيك فكر التطرف، وإعادة بناء الجسور بين مكونات المحافظة المتنوعة بعد سنوات من النزاع والتهجير ، حيث أُنشئت في نينوى العديد من المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية واصدار العديد من المنشورات والجرائد المعنية بصحافة الحوار والسلام  ، بينها مجلة زهرة نيسان ، وذلك بهدف متابعة وربط نشاط المنظمات المحلية الداعمة لبناء السلام مع بعضها البعض ومع المنظمات والمؤسسات الأساسية الإقليمية والدولية التي تعمل على قضايا السلام والمصالحة ، وهي المنظمات التي يمكن ان يكون لها دور مهم في تسوية النزاعات وتحريك مساعي السلام ، حيث ساهمت تلك المواقع والجرائد المذكورة في التوعية بدور منظمات المجتمع المدني والمسؤوليات التي تقع على عاتقها فيما يتعلق بنشر ثقافة السلام ، والتنويه الى الانشطة والجهود الداعية الى احترام حقوق الانسان والتثقيف بها كونها تشكل جزءا اساسيا في عملية بناء السلام  .  

تطوير المهارات التخصصية وبناء مشاريع فك النزاعات  

- الى جانب ذلك بحثنا في اوقات سابقة ومن خلال الدورات التدريبية مظاهر النزاعات في مجتمعنا وقدمنا توصيات واضحة للأفراد والصحفيين والمنظمات غير الحكومية لفهم اهمية تعزيز السلام في المجتمع اعتمادا على نتاجات صاغتها التجارب المحلية والدولية التي تنسجم مع الأهداف الوطنية لبناء السلام ونزع فتيل الفتن ، وكان اهتمامنا يتمحور حول الوسائل السلمية التي يمكن ان تلعب دورا أكثر فاعلية في عملية المصالحة المجتمعية عبر استخدام الوسائل الدبلوماسية والسياسية للدخول في صميم أسباب النزاع واشكاله المتعددة وتصنيفاته ، وبالتالي يمكن رسم مشروع كامل للعمل على البرامج التي من شانها حلحلة تلك النزاعات سواء كانت على مستوى النزاع بين مجموعة واحدة او مجموعتين او غير ذلك من الصراعات المتعددة الاهداف والانماط .

الإعلام الحديث كقوة ضاغطة وشريك في صياغة الرأي العام

 - لاشك ان التركيز على دور الإعلام كمحرك أساسي لعملية بناء السلام وإيجاد الحلول الاستراتيجية لفض النزاعات يمثل خطوة بالاتجاه الصحيح ، فالإعلام بمفهومه الحديث لا يقف عند حدود التغطية الإخبارية ، بل يتحول إلى قوة ضاغطة تمتلك أدوات التغيير وصياغة الرأي العام وضبط مسارات الحوار الوطني ، فالاعلاميون والصحفيون يمكنهم أن يجتمعوا مع السياسيين والعلماء والمثقفين ورجال الأعمال والمهتمين ببناء السلام لمناقشة الاراء والخطوات المهمة في معالجة اية مشكلة اجتماعية والتعريف بتداعياتها ووضع الحلول الاستراتيجية لها ، وهو ما يجعل الإعلام الشريك الحقيقي والأقوى للمجتمع المدني في استعادة ثقافة السلام المفقودة.   

أولويات الناشطين والاندماج الحيوي للإعلام المدني

- في الخلاصة تقع على الناشطين في مجال بناء السلام مهمات جمة ، وفي مقدمتها العمل على رصد مؤشرات التوتر قبل تحولها إلى عنف مسلح ، وهذا يتطلب استخدام أساليب الحوار والوساطة لجعل الرأي العام أكثر مرونة وتقبلا للتنازلات والحلول السلمية ، والاهم اشراك الاعلام المدني في مبادرات السلام باعتباره المتحدث بلسان المجتمعات المحلية والقريب من هواجسها ، مما يجعله أقدر على تفكيك المخاوف وتبسيط الحلول ، وذلك بفضل قوته الناعمة ووظيفته المرنة التي تتيح النفاذ إلى داخل الأحياء وفتح حوارات مباشرة مع الفئات المنخرطة في النزاع ، وإقناعها بالعدول عن التشدد طوعا ودون إكراه ، هذا فضلا عن قدرته على تشكيل راي ضاغط على الجهات الحكومية لتوفير الدعم الحقيقي والمساندة القانونية والتشريعية لبرامج السلام والتنمية ، وتحويل العلاقة مع الدولة من مجرد رقابة إلى شراكة وتكامل حقيقي.

حاوره / محمد الظاهر / رئيس التحرير       




اخبار ذات صلة